أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
163
العقد الفريد
من قتر على نفسه وترك المال لوارثه لمالك : زياد عن مالك قال : من لم يكن فيه خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره ؛ لأن نفسه أولى الأنفس كلها ؛ فإذا ضيّعها فهو لما سواها أضيع ؛ ومن أحب نفسه حاطها وأبقى عليها وتجنب كل ما يعيبها أو ينقصها ؛ فجنبها السرقة مخافة القطع ، والزنا مخافة الحدّ ، والقتل خوف القصاص . الرشيد وبطريق هرقلة : داود بن علي الكاتب قال : لما افتتح هارون الرشيد هرقلة وأباحها ثلاثة أيام ، وكان بطريقها الخارج عليه « فسيل » الرومي ؛ فنظر إليه الرشيد مقبلا على جدار فيه كتاب باليونانية وهو يطيل النظر فيه . فدعا به وقال له : لم تركت النظر إلى الانتهاب والغنيمة وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قرأت في هذا الجدار كتابا هو أحب إليّ من هرقلة « 1 » وما فيها . قال له الرشيد : ما هو ؟ قال « بسم اللّه الملك الحق المبين . ابن آدم ، غافص « 2 » الفرصة عند إمكانها ، وكل الأمور إلى وليها . ولا تحمل على قلبك همّ يوم ولم يأت بعد ؛ إن يكن من أجلك يأتك اللّه برزقك فيه ؛ ولا تجعل سعيك في طلب المال أسوة المغرورين ، فربّ جامع لبعل حليلته ، واعلم أن تقتير المرء على نفسه هو توفير منه على غيره ، فالسعيد من اتعظ بهذه الكلمات ولم يضيعها » قال له الرشيد : أعدها عليّ يا فسيل . فأعادها عليه حتى حفظها . وقال الحسن : ابن آدم ، أنت أسير في الدنيا ، رضيت من لذتها بما ينقضي ، ومن نعيمها بما يمضي ، ومن ملكها بما ينفد ، فلا تجمع الأوزار لنفسك ، ولأهلك الأموال ، فإذا متّ حملت الأوزار إلى قبرك وتركت أموالك لأهلك .
--> ( 1 ) هرقلة : مدينة بلاد الروم . ( 2 ) المغافصة : المفاجأة والأخذ على غرة .